المنجي بوسنينة
352
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ابن أبي الأحوص واحدا من علماء العصر وممّن شملتهم رعاية هذين السلطانين وكرمهم . فتصدّر للتدريس بمدينة غرناطة مدة . والظاهر من الروايات التاريخية أنّ ابن أبي الأحوص كان يطمع بأكثر من ذلك ، ويمني نفسه بتولّي منصبا شرعيا رفيعا في غرناطة أو غيرها من قواعد الأندلس ، غير أنّ الأمور سارت عكس ما كان يتمنى ، وقدم من هو أدنى منه في العلم والمكانة [ طبقات المفسرين ، 1 / 151 ] فغادر مدينة غرناطة مغاضبا وسكن مدينة المرية ، وجلس بها مقرئا ومحدثا ، واقتصر على الخطبة بقصبتها بضعا وعشرين سنة [ الإحاطة ، 1 / 482 ] وكانت مدينة مالقة ووادي آش وقمارش وبعض المناطق الأخرى تحكم من قبل بني اشقيلولة وهم أسرة كبيرة من المولدين الذين أعانوا ابن الأحمر في صراعه مع خصومه ، وساهموا مساهمة كبيرة في قيام مملكة غرناطة وكان بينهم علاقات ومصاهرات ، ولكن هذه العلاقات الودية لم تستمرّ طويلا فقد بدأ ابن الأحمر يتوجّس خطر هذه الأسرة ومركزها القوي في هذه المناطق ومخالفاتها المشبوهة ، وحاول استعادة مالقة مرات عديدة ولكنه لم يوفّق إلى أن تمكّن محمد الفقيه من دخولها سنة 677 ه / 1278 م وقضى على نفوذ بني أشقيلولة كما تمكّن من بسط سلطانه على وادي آش وقمارش ، وأصبحت مدينة مالقة بعد ذلك قاعدة للقوات المرينية بموافقة محمد الفقيه ، تنطلق منها للجهاد ضد الممالك الأسبانية الشمالية ورد العدوان عن مملكة غرناطة . وفي زمن بني أشقيلولة ظهر رجل يعرف بإبراهيم الفزاري ادّعى الولاية وكان يخبر بأشياء غيبيّة ويتنبّأ بالمستقبل ، وقيل إنه ادّعى النبوّة فتبعه العامة من الناس ، ونال حماية بني اشقيلولة لأنه كان من مواليهم ومروّجا لسلطانهم ، فظهر الفساد في مالقة ورية وما جاورهما من المناطق ، وتصدّى لدعوته وأفكاره جماعة من علماء المدينة من بينهم ابن أبي الأحوص ، وابن الزبير الغرناطي ، وحسن بن حسن النباهي المالقي فلحقهم بسبب ذلك محنة ، ونهبت أملاك البعض منهم وتمكّن ابن أبي الأحوص بالوصول إلى غرناطة سالما [ المرقبة العليا ، 127 - 129 ] . كان ابن أبي الأحوص من أهل المعرفة والدراية والرواية الواسعة والثقة والعدالة أخذ من كل علم بحظ وافر ، فقد كان حافظا للحديث آية في التفسير ذاكرا للأدب واللغة والتواريخ ، شديد العناية بالعلم ، مكبّا على استفادته وإفادته ، من أهل الضبط والإتقان في الرواية ، وآخر مقرئي القرآن ، ممّن يعتبر في الأسانيد ، ومعرفة الطرق والروايات متقدّما على أهل وقته وهو أوفر من كان بالأندلس في ذلك [ الإحاطة ، 1 / 472 ] . وكان نقادا ذاكرا للرجال موثقا لأهل الرواية والدراية منهم ، سأله تلميذه أثير الدين بن حيان عن صحّة الرواية عن عبد الصمد بن عبد الرحمن البلوي المقرئ ( ت 619 ه / 1222 م ) وكان عبد الصمد هذا قد روى عن أبيه القراءات تلاوة وسمع منه عدّة كتب ، ومات أبوه وله نحو من عشر سنين ومع ذلك روى الناس عنه فوثقه ابن أبي الأحوص وجوز الرواية عنه [ معرفة القراء الكبار ، 2 / 486 و 487 ] ، وتكلّم ابن بشكوال في